أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

577

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

الرابع : أنّ « يتربّصن » خبر لمبتدأ محذوف ، التقدير : أزواجهم يتربّصن ، وهذه الجملة خبر عن الأول ، قاله المبرد . الخامس : أنّ الخبر محذوف بجملته قبل المبتدأ ، تقديره : فيما يتلى عليكم حكم الذين يتوفّون ، ويكون قوله : « يتربّصن » جملة مبيّنة للحكم ومفسّرة له ، فلا موضع لها من الإعراب ، ويعزى هذا لسيبويه . قال ابن عطية : « وحكى المهدويّ عن سيبويه أنّ المعنى : « وفيما يتلى عليكم الذين يتوفّون ، ولا أعرف هذا الذي حكاه ، لأنّ ذلك إنما يتّجه إذا كان في الكلام لفظ أمر بعد المبتدأ نحو قوله تعالى : وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا « 1 » ، الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا « 2 » ، وهذه الآية فيها معنى الأمر لا لفظه ، فتحتاج مع هذا التقدير إلى تقدير آخر يستغنى عنه إذا حضر لفظ الأمر » . السادس : أنّ بعض الجملة قام مقام شيء مضاف إلى عائد المبتدأ ، والتقدير : « والذين يتوفّون منكم ويذرون أزواجا يتربص أزواجهم » فحذف « أزواجهم » بجملته ، وقامت النون التي هي ضمير الأزواج مقامهنّ بقيد إضافتهنّ إلى ضمير المبتدأ . وقراءة الجمهور « يتوفّون » مبنيا لما لم يسمّ فاعله ، وقرأ أمير المؤمنين - ورواها المفضل عن عاصم - بفتح الياء على بنائه للفاعل ، ومعناها : يستوفون آجالهم ، قاله أبو القاسم الزمخشري . والذي يحكى أن أبا الأسود كان خلف جنازة فقال له رجل : من المتوفّي ؟ بكسر الفاء ، فقال : اللّه ، وكان أحد الأسباب الباعثة لعلي رضي اللّه عنه على أن أمره بوضع كتاب في النحو . وهذا تناقضه هذه القراءة . وقد تقدّم احتمالات في قوله : يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ « 3 » وهل « بأنفسهن » تأكيد أو لا ؟ وهل نصب « قروء » على الظرف أو المفعولية ؟ وهي جارية ههنا . قوله : مِنْكُمْ في محلّ نصب على الحال من مرفوع « يتوفّون » والعامل فيه محذوف تقديره : حال كونهم منكم . و « من » تحتمل التبعيض وبيان الجنس . قوله : وَعَشْراً إنما قال « عشرا » من غير تأنيث في العدد لثلاثة أوجه : الأول : أنّ المراد « عشر ليال » . مع أيامها ، وإنما أوثرت الليالي على الأيام في التاريخ لسبقها . قال الزمخشري : « وقيل « عشرا » ذهابا إلى الليالي ، والأيام داخلة فيها ، ولا تراهم قطّ يستعملون التذكير ذاهبين فيه إلى الأيام ، تقول : « صمت عشرا » ، ولو ذكّرت خرجت من كلامهم ، ومن البيّن قوله تعالى : إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْراً « 4 » ، إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْماً « 5 » . والثاني - وهو قول المبرد - : أنّ حذف التاء لأجل أنّ التقدير عشر مدد كلّ مدة منها يوم وليلة ، تقول العرب : « سرنا خمسا » أي : بين يوم وليلة قال : 1002 - فطافت ثلاثا بين يوم وليلة * وكان النّكير أن تضيف وتجأرا « 6 »

--> ( 1 ) سورة المائدة ، آية ( 38 ) . ( 2 ) سورة النور ، آية ( 2 ) . ( 3 ) سورة البقرة ، آية ( 228 ) . ( 4 ) سورة طه ، آية ( 103 ) . ( 5 ) سورة طه ، آية ( 104 ) . ( 6 ) البيت للنابغة الجعدي انظر ديوانه ( 64 ) ، وهو من شواهد -